الشيخ محمد الصادقي

51

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

والقرآن - دائماً يبني أولًا أفراداً ، كما لمسناه من الآيتين الأوليين ، أن يكونوا مؤمنين صادقين غير منافقين ، وأن تكون حياتهم تسبيحات للَّه ، ثم يتبنى هؤلاء - كلبنات لبناء هيكل الإسلام - يتبناهم جماعة موحدة مسلمة رزينة رصينة متراصة ، فطالما الشر عارم ، والباطل متبجح ، والشيطان يقود ، من ثم يتعين على حَملة الإيمان وحرّاسه أن يكونوا نبهاء أقوياء ليغلبوا عملاء الشيطان ، ولكي يقاتلوا في سبيل اللَّه وحده ، فيما لا سبيل للحراس على كيانهم إلا القتال وحده ، فاللَّه سبحانه وتعالى لا يُشهّي المؤمنين - فيه ، وإنما يفرضه فيما يحتمه الواقع ، ولدافع مدقع ، حفاظاً على الكرامة ، وحسماً لمواد الفساد التي لا يحسمها إلا القتال ، ممن « يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ » بنيان تتعاون لبناته ، وتتضامٌ متماسكة ، تؤدي كل لبنة دورها وتسد ثغرتها ، ولكي يسدوا ثغور الإسلام عن هجمات الكافرين . وجوبهما كفائيا على الصالحين إن آية الإعتصام هي القمة في محاور الأمر المؤكد في هذه الآيات التي تتبنى قوة المؤمنين ، فتقوى اللَّه حق تقاته غير ميسورة إلَّا بذلك الإعتصام ، وحين تتقلت أفراد من المؤمنين أو جماعات عن ذلك الإعتصام فهنا أمر وقائي للحفاظ على ذلك الإعتصام الذي يحتضن حق تقاة اللَّه ، وقد تكفلته هنا آيتان فرضاً لمثلث الدعوة إلى الخير والامر بالمعروف والنهي عن المنكر بفصل آيات خمس فيها تنديدات شديدة بالمسودَّة وجوههم المتخلفين عن حبل اللَّه . « وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » « 1 » « مِنْكُمْ أُمَّةٌ » في تكوين هذه الأمة دليل الكفائية في ذلك الفرض الجماهيري وقايةً للأمة ككلٍّ عن كل تشرد وتخلف ، وحمايةً لتحقيق الواجبات الفردية والجماعية ،

--> ( 1 ) . سورة آل عمران 3 : 104